أحمد بن علي القلقشندي
197
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والمملوك معترف بأنه ما زال يجهل ما يجب عليه من الخدم ، ومقرّ بتقصيره عن القيام بحمل ما يواصل به من النّعم ، لكنّه ألف من مولانا أن يقابل إساءته بالإحسان ، وجهله بصفح لا يقوم بشكره اللَّسان ، بل جميع الجثمان ، فإن كان ذنب من المملوك هو الذي أوجب اطَّراحه ، وأوجد أسفه وأذهب أفراحه ، وكان أيسر مما تقدّمه من جهله وإساءته ، فحلمك جدير أن يلحقه بإخوته ، وإن كان قد تزايد مقداره ، فالمولى قد تضاعف على العفو اقتداره ، وإذا كبرت الخطيئة كثر أجر غفرانها ، وعلت المجاوزة عنها على أقرانها ، وعلى كلا الأمرين فقد استحقّ المملوك المغفرة بكلّ طريق ، وأن يقابل رجاؤه بالتحقيق ، وأمله بالتصديق . وله : وينهي أنه ما زال يتلو آيات محاسنه وحمده ، ويرفع رايات إحسانه ومجده ، ويتولَّاه ولا يتولَّى عن محبّته ، ويكثر الثناء على ألمعيّ فطنته وجزيل مروءته ، وقد صار يشاهد من المولى ملالا وصدودا ، وإعراضا يغيظ به صديقا ويسرّ به حسودا ، واطَّراحا أوهمه أنه ألف وصل درجت ، أو لفظة هجر لفظت ، ولا يعرف له ذنبا يوجب إبعاده ، ولا جرما يستوجب به أن ينقض حبل وصله ويرفض وداده ، ولا يعلم سببا يوجب سبّه ، ولا شيئا يحدث عتبه ، مع أنّ المملوك أحقّ أن يبدأ بالإعراض ، ويرفل من إغفال مودّته في الثّوب الفضفاض ، فإنّ المولى آلمه بالقول مرارا ، وجعل سحابة حيفه تهمي عليه مدرارا ، وهو يحتمل الأذى ويغضي على القذى ، ولا يظهر إلَّا محبّة ، ولا يبطن له إلَّا مودّة ، فإن شاهد المولى بعد إعراضه إعراضا فليلم نفسه ، أو أحرقه لهب نار الجفاء فلا يشكو مسّه ، يحيط بذلك علما ، ورأيه العالي . شعر في العتاب ( كامل ) . مولاي قد طال التّباعد بيننا أو ما سئمت قطيعتي وملالي ؟ إن لم ترقّ لحالتي يا هاجري مولاي قل لي من يرقّ لحالي